يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

122

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء ، ثم سقاها حتى رويت ، وسقى أصحابه حتى رووا ، وشرب آخرهم ، ثم أراضوا ، ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء حتى امتلأ الإناء ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها ، فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا تساوك هزالا مخاخهن قليل ، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال : من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب حيال ولا حلوب في البيت ؟ قالت : لا واللّه إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا ، قال : صفيه لي يا أم معبد . قالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه نجلة ولم تزربه صعلة وسيما قسيما في عينيه دعج وفي أشفاره وطف ، وفي عنقه سطع ، وفي صوته صحل ، وفي لحيته كثاثة ، أزج أقرن ، إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء . أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأجمله من قريب ، حلو المنطق ، فصل ، لا نزر ولا هذر ، كان منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة لا ييأس من طول ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا ، له رفقاء يحفون به ، إن قال أنصتوا ، وإن أمر تبادروا إلى أمره ، محفود محشود لا عابس ولا مفند . قال أبو معبد : هو واللّه صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة ، ولقد هممت بأن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا ، فأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول : جزى اللّه رب الناس خير جزائه * رفيقين قالا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى فاهتدت به * فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيا لقصي لما روى اللّه عنكم * به من فعال لا تجارى وسؤدد ليهن بني كعب مقام فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت * عليه صريحا ضرة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب * يردّدها في مصدر ثم مورد فلما سمع ذلك حسان بن ثابت الأنصاري رضي اللّه عنه جعل يجاوب الهاتف وهو يقول في ذلك : لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم * وقدس من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قوم فضلت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم * وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا * عمايتهم هاد به كل مهتد